فى الذكرى الخامسة و الأربعون لحرب أكتوبر المجيدة الإيمان بالله و ملحمة الانتصار على المستحيل

  • تاريخ النشر :
  • عدد المشاهدات : 50 4 5
فى الذكرى الخامسة و الأربعون لحرب أكتوبر المجيدة الإيمان بالله و ملحمة الانتصار على المستحيل

 

ستظل حرب السادس من أكتوبر العاشر من رمضان نقطة فاصلة فى تاريخ مصر ليس فقط لأنها جاءت بعد هزيمة عسكرية فى 67 و كانت تمثل ضربة موجعة للغطرسة الإسرائيلية أفقدتها زهو القوة الأسطورية التى كانت تتباهى بها فى فنون العسكرية والتفوق الحضارى على العرب وليس فقط لأنها كانت مثال رائع للعبقرية فى التخطيط والإعداد والتدريب و إتقان فنون وعلوم العسكرية من قبل المصريين وكيفية الحصول على أفضل الناتج بأقل الإمكانيات وليس فقط لأن ابطالها وقادتها ضربوا مثالا رائعا للتفانى والتضحية والفداء من أجل الوطن الغالى واستعادة ترابه ، وليس لأن قائدها أعطى مثالاً رائعاً لتحمل المسئولية إتخاذ قرار الحرب فى ظل ظروف غاية فى التعقيد والصعوبة إيماناًبواجبه المقدس نحو وطنة وتراب أرضه .. ولكنها فوق ذلك كله مثال رائع قدمته مصر للبشرية كلها فى كيفية النهوض عند أقصى لحظات الإنكسار وكيف أن هناك أمم تحمل فى ذاتها كل ميكاينزمات رفض الموت والاستسلام للظلام والإيمان المتجدد بالحياة والنور ومهما كانت العوائق والصعوبات التى تصل الى حد المستحيل و سأقدم فى سلسلة من مقالات نلقى الضوء على كيفية عبور الأمة من اليأس الى الرجاء ومن الموت الى الحياة فوق جسور المستحيل .

عاشت مصر ومعها الأمة العربية وشعوب العالم الثالث فى عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر حالة من حالات الإحساس الضخم بالإعتزاز بالذات الوطنية استطاع عبد الناصر بعظمة وقوة أن يجسدها على أرض الواقع من خلال مواقفة التاريخية فى مواجهة المستعمر البريطانى والفرنسي واللذان كانا آنذاك أقطاب العالم فى موقعة تأميم قناة السويس وحرب 56 و إنسحاب قوات العدوان وفشله الإستراتيجى فى تحقيق أهدافه فى الغزو ومنذ ذلك التاريخ أصبح جمال عبد الناصر العظيم هو الأمل لكل أولئك الباحثين عن استقلال الإرادة الوطنية و أمتد تأثيرة الى افريقيا وأمريكا اللاتينة إلا أن عبد الناصر الزعيم كان أيضاً هو عبد الناصر رئيس الدولة وكانت مصر فى حالة افتتان غير مسبوق بشخص عبد الناصر الذى استطاع أيضاً أن يثأر من ظلم طبقة الإقطاع والرأسمالية المستغلة للكثير من أبناء الشعب من خلال خلق حالة من المساوة فى لقمة العيش .

واستطاع عبد الناصر أن يحقق معادلة المساواة هذه ويعيد الأمور الى نصابها فلقد صارت فرص لقمة العيش متساوية أمام الجميع يستوى فى ذلك أبناء الطبقة الغنية والفقيرة لذلك أحب الشعب عبد الناصر حباًيكاد يكون غير مسبوق فى التاريخ الحديث واستطاع بمواقفه التى تمثل العوة والكبرياء أن يلهب فى عقول وقلوب المصريين بأنه الفارس العظيم .

إلا ان اعتبارات السياسة لرئيس الدولة تراجعت لدى عبد الناصر و أخذ يتحرك وفقاً لهذه الحالة ومن ثم فقد طغيت اعتبارات الزعامة على مقتضيات مسئولية رئيس الدولة وهو الأمر الذى بدا واضحاً فى الزج بقوات مصرية نحو الحرب فى اليمن لتدعيم ثورتها و أيضاً فى تبدبد الاحتياطى المصرى من النقد فى دعم حركات المقاومة فى بلدان افريقيا والعالم الثالث وهو أمر لايمكن ان يحسب على أنه تأمين للامن القومى المصرى لأن هذا كان على حساب الأمن الاقتصادى للوطن .

كما أن الاصطدام بواقع به قوى عظمى لديها فى الحقيقة صحوة حضارية ضخمة فى شتى مناحى الحياة ومنها العسكرية ومحاولة القفز على هذا الواقع بذلك المد الشعبى الجارف هو مغامرة غير محسوبة العواقب حيث أن لهذه القوى مصالحها ونزعتها الاستبدادية بما لديها من قوى حضارية فى بقاع كثيرة فى العالم كان عبد الناصر هو المهدد الأكبر لها ومن ثم فإن محاولة كسر عبد الناصر الزعيم والثورى الجسور اذى ظهر على الساحة الدولية أنه الزعيم الاول فى مواجهة الاستعمار العالمى هو أمر ضرورى لبسط القوى الكبرى برامجها الطموحة للسيطرة الحضارية ومن ثم وضع عبد الناصر نفسه ومعه مصر الدولة والانسان والارض فى موقع العداء لهذه الدول الكبرى فلم يكن الأمر دفاع مشروع فى مواجهة قوى استبدادية ولكنه كان حرب عليها لم نكن كمصريين فى حاجة الى أن نقود الشعوب المستضعفة فى مواجهة الطغيان بل كان يكفى تماماًألا تتعرض تلك القوى لنا وتظهر احترامها دون ان تدخل معها فى حالة مواجهة لاطماعها على مستوى العالم خاصة و إننا لم نكن نمتلك المفردات الحضارية المؤهلة لذلك فلقداكتسبت تلك القوة الاستعمارية طموحها الاستبدادى الجديد ليس من قوتها العسكرية فقط ولكن تفوقها الحضارى فى مجالات عدة .
ولقد استطاعت تلك الدول الكبرى بما لديها من مؤسسات مخابراتية وعسكرية وسياسية ضخمة أن تستثير عبد الناصر وتدخلة فى حالة صدام عسكرى لم يكن فى الحقيقة مستعد له لأن الكثير من مقومات البناء العسكرى للجيش كانت فى يد فئة استغلت الجيش أسوأ استغلال الأمر الذى كان له مردوده السيئ على معنويات الجنود المقاتلين .

ومن ثم دخلت مصر فى 1967 حرب تم الزج فيها بجيش مصر وهو مجهز بأحدث الأسلحة ولكنه كان يتحرك وكأنه فى مظاهرة سياسية أكثر من كونه فى معركة حربية مخطط ومعد لها فكانت هزيمة 1967 القاسية والكارثة للأمة .

لقد احتلت إسرائيل سيناء بالكامل 60 ألف كيلو متر والضفة الغربية والجولان وجزء من الأردن والقدس فى ستة أيام فقط وهى هزيمة لم يمنى بها الجيش فى العصر الحديث على مستوى العالم والهزيمة الوحيدة التى تعادلها هى هزيمة الهنود الحمر أمام الاستعمار الأوروبى واحتلال الامريكتين ومن ثم بدى للعالم أن عبد الناصر إلا زعيماً بهلوانياً لأمة متخلفة ومهزومة حضارياً ألا أن الشعب الذى أحب عبد الناصر كان يؤمن به زعيماً حقيقياً حقق له الكثير فرفض الشعب تخلى عبد الناصر عن زعامته فى 10 يونيو إيماناً منه بأن الفارس النبيل الذى حقق الانتصارات العظيمة قادر على تجاوز الانتكاسة إلا حجم الكارثة كان أكبر من طموحات الزعيم والأمة نفسها فالمصيبة ضخمة عندئذ بدأ الشعب يفيق من صدمة النكسة ويكشف أنها كارثة بكل المقاييس وعندها أيضاً وفى هذه اللحظات بدأ الشعب يفيق من حالة الحب الافتتانى للزعيم .

لقد قاد عبد الناصر أمته الى حلم سياسى ؟أقرب الى التهور منه الى المواقف الكبيرة بالإضافة الى إنه أفتقد لحيثيات رجل الدولة الذى من الضرورى أن يحفظ لبلاده ووطنه الحد الأدنى من تأمين حدوده وكيانه العام ثم يمتد بعد ذلك الى دوائر أوسع إن أمكن إذا لم تحقق يكون دائما لديه خطوط للعوده وهو مالا يفعله عبد الناصر فلقد كانت 67 هزيمة سياسية قبل أن تكون هزيمة عسكرية وهو ما أعترف به عبد الناصر ذاته فى خطاب التنحى ولايمكن كما يقول الأستاذ هيكل فى محاولة لإيجاد شرعية المغامرات السياسية إنها كانت لتأمين الأمن القومى لمصر على مستويات أبعد من حدود الوطن فى حين إن المخاطرة التى تهدد الوطن ذاته من هذه المغامرات كبيرة وكانت يمكن أن تعصف بكيان الوطن وهو للأسف ما حدث فى 67 والقول بأن 67 كانت مؤامرة كبرى لاصطياد الديك الرومى فإن الديك الرومى كان من الممكن أن يقدم نفسه للذبح ولكنه ظلم نفسه وظلم شعبه و أمته كلها ولا مجال لتبرير الهزيمة فعبد الناصر هو المسئول الأول والأخير عنها وعندما يكون الهوى الشخصى أكبر من قيمة الوطن فلا يمكن أن نقبله .

ولقد بدأ الشعب يفيق ليس من عبادة عبد الناصر فقط ولكن من حلم القوة الوهمية للآية ومن حلم تسليم إرادته لشخص واحد تختزل فيه إرادتها وتسير ورائه كالقطيع وفوق ذلك أسدل ستار كثيفة على بصيرتها التى طالما كانت أهم خصائصها فلقد ألهت الأمة إله مع الله وكانت الهزيمة هى الصدمة والمحنة التى جعلت الأمة تعود الى رشدها .

 

الإفاقة من عبادة الزعيم و تصحيح الذات

عندما بدأ الشعب يفيق من عبادة الزعيم كان ذلك الأمر في الحقيقة هو محاولة أمة التمسك بالحياة و رفض الموت أمة لديها رصيد ضخم من موروث حضاري عالى الرشد يجعل من الصعب على أمة مثلها أن تموت ، كانت حالة الإفاقة من عبادة الزعيم هي البداية لمحاولة الأمة العودة إلى ذاتها فلا الاشتراكية التى جعلها عبد الناصر أيدلوجية تتفاعل معها الأمة ولا النموذج الرأسمالي الذي قاد عبد الناصر الأمة ضده أصبحا مقبولين لأمة حملت في كيانها صفات الرشد الوجودي من خلال موروث عقائدي في سلسلة رائعة من الكفاح البصري لإدراك هدف و معنى الحياة جعلها أمة تحتوى طاقات النور الوجودي في داخلها منذ إرهاصات الإيمان الإخناتوني مرورا بأديان السماء و إنتهاءاً بالدين الخاتم الإسلام .

هذا الموروث الحضاري في إدراك هدف و معنى وجودها هو الذي جعلها تفيق و تتجه إلى عبادة الله خالقها في لحظات قاسية كانت جديرة بفناء أي أمة و تمزقها و بدت حالة روحية مهيأة لها الأمة تتولد في أعماقها بقوة و كانت في جزء منها تمثل حالة اندفاع لشباب يحمل ما يحمل من لقاء الشباب و ثوريته جعلته الهزيمة يشعر بالعدمية حيث أن الأمة كان بها شباب آمن بشدة و بقوة بفكر عبد الناصر و الأيدولوجية الاشتراكية و لكن هذا الشباب وجد أن هذه الاشتراكية لم تكن في الحقيقة إلا مشروع للفساد و الاستبداد و نشئ طبقة إقطاعية جديدة و فى النهاية هزيمة عسكرية و احتلال أرض الوطن فأحس هذا الشباب بصدمة عظيمة أوصلته إلى حالة إحساس بالعدمية الوجودية .

الكثير فقد الإيمان بأي مبادئ و توجه في حالة كفر بكل شئ حتى الوطن نحو هاوية الانحلال العام إلا أن آخرون رفضوا ذلك و اتجهوا مع الأمة فى عمومها نحو العودة إلى رشدها العقائدي و الروحي إلا أنهم كانوا في حالة من الغضب و الثورة و التوتر العقلي و الخوف الشديد من اندثار ذاتهم و تفككها مما وضعهم في موقف نفسي شديد التعقيد جعلهم و هم يتوجهون مع الأمة إلى العودة إلى الذات أن توجه بحالة من التعصب الشديد و التمسك بالأشياء كما هي بكل ظواهرها الشكلية على حساب الجوهر خوفاً منهم من أي محاولة لإعمال العقل قد تؤدي إلى عواقب وخيمة في إندثارالذات و من ثم و هم يرجعون مع أمتهم إلى مشاعر الإيمان بالله رجعوا بها من خلال التمسك بالدين بشكله الظاهري بل و رفضوا أيضا تطورات التاريخ والجغرافيا و أرادوا أن يعيشوا الدين بجغرافيته و مفرداته منذ 130 عاما فكانت بدايات التطرف الديني الحديث إلا أن هذا الأمر لم يكن ظاهرا في كيان الأمة الروحي على وجه العموم فعموم الأمة كانت مهيأة إلى عودة رشيدة لروحها .

و فى هذه الأثناء حاول الزعيم أن يفيق أيضا من حالة الزعامة العالمية إلى كونه رئيسا لمصر التى أحبها و عشقها و لأنه كان كذلك فلقد وقف عبد الناصر كثيرا مع نفسه و صحح بكل صدق من أخطاؤه و بدأ مرحلة جديدة من حياته كانت في تقديري هي الأروع و الأعظم في تاريخه كله لأنها كانت الأصدق ولأنها أظهرت معدن الرجل كابن حقيقي للوطن أحبه و آمن به و لأن الكارثة كانت عميقة فلقد كان وقعها على رجل حقيقي قوية تحملها بكل الجلد و الثبات والصمود لكنها كانت أقوى من قدرات جسده و بالرغم من ذلك فإنها لم تهزم إرادته و لكنها أيضا في الحقيقة أفقدت تلك الإرداة حيويتها و كثير من مميزاتها و قدرتها على المناورة و الحركة و ديناميكية الفعل ولكن إرادة شعب مع إرداة قائد رفضا أن يموت الوطن جعلته قادر على إعادة بناء الجيش الذي تحطم و مات و أصيب منه 180 ألف في صحراء سيناء جيش كان الأقوى في الشرق الأوسط وكانت المهمة صعبة لأن إعادة البناء لم تكن إعادة بناء مؤسسات الجيش فقط فلقد كان الجيش بمؤسساته على حدود إسرائيل فهزم و ترك وراءه عتاده و قوته و أفراده و الأرض .

و لكن كان بالضرورة إعادة بناء هيكلي مؤسسي و كذلك اختيار أشخاص من أصحاب الكفاءة و ليس من أهل الثقة والنفوذ و استطاع الجندي المصري العظيم أن يثبت أنه لم يمت و أنه قادر على إعادة بناء مؤسسات الجيش بل و قادر على الدفاع عن أرضه من خلال بناء حائط صواريخ و إنشاء الدفاع الجوي لصد غارات العدو الجوية على أرض الوطن ، ليس ذلك فقط لكونه أيضا قام بحرب قام خلالها بأدوار هجومية من أجل الإثبات للعدو أن وجوده كمحتل لن يكون راحة بل جحيم يقلق مضجعه و نجح في ذلك إلى أن انتهت حرب الاستنزاف بعد أن حققت للمصريين الإحساس بأنهم أحياء و أنهم موجودون و أن قدرتهم لم تنتهي و أن العدو الأسطوري الخرافي الذي أصبح كذلك بعد 67 قادرون على الحلم في إنهاء خرافته أو على الأقل يملكون شجاعة مواجهته و أنهم ليسوا مذعورين خائفين و في هذه الأثناء قامت محاولات السلام كان القصد منها تخفيف تعبئة المواجهة المصرية أكثر من كونها حل للصراع و قبلها عبد الناصر كفرصة ربما للحل و أيضا من أجل إعداد الجيش لحالة استعداد أشمل لهجوم كبير لتحرير الأرض و بالرغم من أن المهمة كانت شبه مستحيلة فإن ما حدث من هزيمة لجيش مصر كانت لحظة استثنائية في تاريخ الحروب بين الجيوش من الصعب أن تحدث لإسرائيل و من ثم فإن الإسرائيليين لن يخوضوا حربا تحت أي ظروف يفقدوا فيها 160 ألف كم مساحة سيناء بسهولة مثلما حدث مع المصريين بالإضافة إلى مانع قناة السويس وخط بارليف الذي بدأت إسرائيل إنشاؤه و التفوق التسليحي بالإضافة إلى الرعب من القوة الأسطورية للجيش الإسرائيلي و هزيمته المروعة للمصريين و هذا هو الأهم العامل النفسي إلا أن الخطوات التى تمت في الثلاث سنوات جعلت المصريين يشعروا بأنهم قد بدأ يراودهم الأمل في إمكانية مواجهة هذا العدو و الوقوف أمام غطرسته و ربما الأمل أيضا في أن يتم الانتصار عليه و في هذه الأثناء مات عبد الناصر و خرجت الأمة في جنازة مهيبة هي الأكبر في تاريخ الجماهيرية لا لتودع حلمها أو أملها و لكن لتودع رجل عاشت معه لحظات عنيفة و قوية و صادقة من الأمل و الألم معا .

السادات البطل الذي لم يعرفه أحد

و جاء السادات و كأن الأقدار ترسم لمصر رجل الساعة و المرحلة بكل متطلباتها العميقة كان الشعب لا يزال في حالة تعود على نبرات زعيمه و مفردات كلماته و لكن السادات لم يكن ذلك الزعيم أو خليفته المغوار كان يبدو رجلا عاديا لا زعيم و كانت الأمة بالرغم من الهزيمة لازالت ترى أنه بالضرورة أن من يخلف الزعيم يجب أن يتحلى بصفات الزعامة كشرط لرئاسة الدولة .

و من ثم بدا السادت غير مقنع إلا أن شئ ما كان يرسم للأمة طريقها نحو النصر جعل السادات يوفق في القضاء على عناصر كانت تبحث عن السلطة بالتساوي مع البحث عن حل مشكلة الوطن فأهدرت الكثير من مصالح الوطن من أجل السلطة فاندفع الناس في حالة تأييد شعبي للسادات و لأول مرة بدأ الشعب يرى في الرجل قدرات و مميزات تحمل ملامحه الخاصة لا ملامح الزعيم عبد الناصر فلقد بدى الأمر لمس أوجاع في كيان الأمة أشبه بخراج ما أن لمسه حتى خرج بصديده و دماؤه بدأت الأمة بعدما أفاقت من خراج مكتوم أتعب كيانها كان هذا الخراج هو مركز القوى و ما مثلته من أنها نموذج للاستبداد و التسلك و تكميم الأفواه و بدأت الأمة تشعر بالارتياح نوعا ما في كيانها و بدأت تشعر بحيوية و إقبال أكثر على الحياة و الإحساس بالأمل .

ثم بدأ السادات خطوة جبارة تمثل رؤية قائد عظيم استوعب روح الأمة و واقع العصر شخص الأسباب ووضع الحل و قدم رؤية إستراتيجية للأمر كله و ذلك عندما أعلن السادات أنه أتى بفلسفة تحكم آليات حكمه و هو أنه جاء ليقيم دولة العلم و الإيمان كان هذا الشعار غريبا و مضحكا للكثيرين فلقد عشنا دولة الاشتراكية و الوحدة و القومية العربية بكل قوتها فما هذا المعنى ؟
إنه بعيد كل البعد عن حراكنا العام الفكري و بؤرة الشعور الفكري العام و كان الأمر بالنسبة لثقافة ترسخ للحداثة و شفافيتها في مواجهة الهزيمة و أسبابها غير مقنع و كان كذلك أيضا بالنسبة لحملة مباخر الفساد و أصحاب الشعارات القومية و المستفيدين من عبد الناصر و من تصديره كزعيم أوحد و بالرغم من ذلك فإن هذا المعنى لمس شيئا ما كانت الأمة مهيأة إليه و ترغب في العودة إليه بقوة و تتمني أن تجد من يأخذها إليه إن هذا الشئ هو الجوهر الأصيل لها و هو في ذات الوقت المعنى الأعظم الذي تستطيع به أي أمة أن تصمد أمام الصدمات بروعة مدهشة و أن تحول لحظات يأسها إلى أمل و طاقات الهدم إلى بناء لتعبر به حواجز المستحيل هذا الشئ هو الإيمان بالله و من حسن حظ هذه الأمة أن هذا الإيمان هو جوهر ذاتها إنها لا تحتاج لمن يعلمها أو يرشدها أو يضعه في وجدانها إنه موجود بالفعل إنه ذاتها التى بعدت عنه و في حاجه إلى العودة إليه و إلى من يعيدها إليه إنها مهيأة لذلك تماما .

إنها ترغب في العودة إلى ذاتها المؤمنة التى هي في نفس الوقت أقوى علاج لحالتها المنهكة و هناك قائد يؤمن بأهمية الإيمان في بناء الحياة و تحويل اليأس إلى أمل و هو من المؤكد كان يدرك أن هذا الإيمان هو جوهر شخصية الأمة و أنه إن أعادها إليه فإن هذا يعنى أنها عادت إلى ذاتها و عودة الأمة إلى ذاتها هو في الحقيقة بداية لتفعيل قدراتها و عندما يكون جوهر الذات للأمة هو الإيمان و هي في حالة يأس عام فليس هناك أعظم من إعادتها إلى ذاتها المؤمنة ليكون ذلك أنجح علاج لها و ذلك كان هو الأمر العبقري الذي صنعه السادات و هو الذي كان سر التحول المدهش للأمة في رحلة من سنة 1971 إلى 1973 الذي جعلها تتحول من حالة الأمل في النصر إلى الثقة و اليقين الكامل في تحقيقه و الاصرار عليه

لقد اطلق السادات وعي الأمة لتتنفس الإيمان لقد كان هذا شعورا و حراكا و توجها عاما و جاء في إطار ذلك تلك الفئات الشبابية التى توجهت للدين بتشدد و وجدوا فى هذا المناخ فرصة لحرية أوسع في الحركة لم يكن أحد يتصور أنها حالات مرضية و لكنها و هي تسلك بعض السلوكيات المتشددة كان التصور أنها مجموعات متحمسة دينيا و ليست مجموعات متعبة و مشوشة ذهنيا و واقع الأمر أن الكثير من أصحاب ثقافة الحداثة و الأقرب إلى العلمانية من أصحاب الاتجاهات اليسارية و التحليلات الفكرية و السياسية الذين فقدوا بشكل ما إحساسهم البصيري و الملمح الرئيسي في الشخصية المصرية القائم على الإيمان و أهملوه رأوا أن السادات قام بتشجيع أصحاب الأفكار الدينية  و إنه إنحاز إلى مقومات الدولة الدينية من خلال تشجيع هؤلاء الشباب لضرب المشروع الناصري و الحداثي و القومي بين الشباب و خاصة في الجامعات و قام بوضع سياسات لهذا الأمر ، و الواضح أن ذلك لم يكن صحيحا و لكن كان تحليلا مبتورا فالحقيقة أن السادات كان يشجع في كل اتجاه تجديد وعي الأمة و عودتها لذاتها و إحياء روح الإيمان بالله من كل الاتجاهات و على جميع الاصعدة و بالتالي و في إطار ذلك يشجع التوجهات الدينية للشباب في هذه المرحلة  باعتبار أن ذلك مطلوب فى مواجهة قيم لرؤية قومية لا تصلح مطلقا لإحياء الأمة و شفائها من جراحها و كان السادات ككل المصريين في ذلك الوقت لم يقرأ حالة التطرف و المعاناه التي دفعت الشباب إلى الدين بعد هزيمة مشروعهم الثوري بقيادة ناصر عقب الهزيمة و لم يكن أحد يدرك أنهم قد دخلوا فى منعطف خطير من الانعزال بالدين عن المجتمع و ليس بتفعيل الطاقة الإيمانية للدين لدفع الناس للأمل تلك هى الحقيقة في تعامل السادات مع قضية تشجيع الاتجاهات الدينية للشباب الذي أخذ بشكل ما صورة التطرف و البعض منه الإرهاب .

و على مستوى الجيش ، بدأ هذا المناخ الايمانى يأخذ صور عديدة منها أن الجيش أصبح جيشا عقائديا فالأمر في حقيقته جهادا فى سبيل الله لإسترداد الأرض فإسترداد الأرض و العرض و الشرف  أرض الأديان و الإسلام والتوحيد و إعادة الكبرياء الوطني لها هو جهاد فى سبيل الله هكذا بنى السادات التوجه العقائدى للجيش المصري بعد أن كان استرداد الأرض  هو استرداد لكبرياء الوطن وطن القومية العربية  وطن التحرر من الاشتراكية و الوقوف في مواجهة قوى الإمبريالية الاستعمارية .

و قد لمس هذا التغير العقائدى وجدان الأمة و عقلها و تفاعلت معه بقوة  و قد ترجم ذلك داخل الجيش و بأت زيادة الجرعة الدينية في المواقع العسكرية الوعظ الدينى يمثل عنصر هام و أساس في البناء النفسي للمقاتل مؤكدا على معنى الجهاد في سبيل الله لاسترداد الأرض و العرض و أن وضع أهل الكفاءة في أماكنهم المناسبة  لهم هو شفافية و تقوى الله في أبناء الجيش كما أن القادة و هم يقودون مرؤوسيهم في مواقع القتال كانوا في الحقيقة  يرسخون فيه  قيم إيمانية و إسلامية كما أن هؤلاء القادة  كانوا يقودون الجنود  في الميدان الصلاة بين مرؤوسيهم و من ثم بدا و كأن الأمر هو تحقيق لقيم الاستقامة  بكل ما لها من أبعاد إيمانية و أخلاقية  و دينية ثم إن خطوة إنهاء مهام الخبراء السوفيت الذين كانوا يمثلون عبء في تواجدهم على أبناء الجيش المقاتلين كان خطوة في ترجمة هذا  الإتجاه الإيمانى فلا معنى لأن يحارب قضية استرداد الأرض جهادا في سبيل الله أناسا لا يؤمنون بالله أصلا فكان إنهاء مهمتهم هو أن المصري مسيحى و مسلم سيجاهد في سبيل الله لأسترداد أرضه المؤمنة الموحدة بكل أديانها .

و أنه أصبح الآن موضوع أمام مسئولياته ليبث ذاته بأنه المقاتل المؤمن الذي استدعى من موروثه الثقافي جهاد خالد بن الوليد و صلاح الدين و قطز كوكبة المؤمنين في هزيمة الشرك و الاستعمار و استحضروا التضحية و الفداء العظيم لهم ، لقد تفجرت فى المقاتل المصري من جراء إنهاء مهمة الخبراء السوفيت طاقة ضخمة جعلته يشعر بأنه يقف الآن أمام الله مباشرة و أنه أكثر قربا من الله من أي وقت مضى إنه يشعر به سبحانه و تعالى و يشعر بأنه يؤيده لأنه يدافع عن أرض وطنه الغالي المؤمن وطن التوحيد و الأديان و على رأسها الإسلام العظيم تلك الحالة العظيمة جعلته في حالة من الشفافية و توالد الطاقة الإيجابية العظيمة فانعكس ذلك على التدريب و استيعاب العلوم العسكرية و الإخلاص في كل خطوة من خطوات الإعداد و الصفاء الذهني و الإبداع العقلي ثم إنه تم اختيار عمليات تدريبية بأسماء لها معانيها في الموروث الثقافي و الحضاري في كفاح المسلمين .

الأوائل العظام وما تحمله تلك المعانى فى قلوب المصرين جميعاً مثل بدر وغيرها ثم جاءت الحرب فى ايام شهر رمضان المبارك حيث الحاله الروحيه العامه لكل المصرين من ابناء القوات المسلحه المصرية وفى الساعه الثانية بعد ظهر يوم العاشر من رمضان الموافق السادس من أكتوبر سنة 1973 كان المصريون يقفون على الشاطئ الغربى للقناة استعادأ للعبور وقد وصلوا لحالة معنوية روحية عالية جعلتهم فى أحسن درجات الثقة فى النفس لأنهم فى احسن درجات الوصل مع خالقهم وأنهم قد أخذوا بكل الأسباب التى أراد اللله أن يأخذوا بها إنهم بدلوا كل ما يملكون فى تهيأة أنفسهم للنصر المبين .

و عندما إنطلق هتاف الله أكبر كان إجماعا حقيقيا و ترجمة حقيقية إنه الله أكبر فى نفوس المصريين من كل شى أكبر بالإيمان به سبحانه و بالأخذ بسنته فى و جوده و لم تكن ساحة المعركة إلا ترجمة عملية لذلك كله بكل بطولاتها و دماؤها الطاهرة النبيلة .
و سطر المصريون قادة و جنود من أبناء هذا الشعب الملحمة العظيمة ملحمة الانتصار على المستحيل ليثبتوا للإنسان أى إنسان فى أى أرض و أى مكان أن الإنسان قادر على الانتصارعلى المستحيل إذا امتلأت روحه و عقله و كيانه بالإيمان الراسخ بالله الواحد و الأخذ بالأسباب الذى أوجدها سبحانه لإعمار الحياه

تلك كانت قصة الجانب الروحى الذى قاده أنور السادات فلم يكن السادات الرئيس فقط الذى أتخذ قرار الحرب فى ظل ظروف سياسية و عسكرية واقتصادية بالغة التعقيد و لم يكن السادات فقط الرئيس البارع فى الخداع الإستراتيجى و لم يكن السادات فقط الرئيس رجل الدولة المحنك الذى استطاع ان يقود مجموعة من الرجال المخلصين لإدارة شئون الدولة و إعداد الدولة للحرب اقتصاديا و تعبئة الجهاز الإدارى للدولة لحالة الحرب و لم يكن السادات أيضا الرئيس و رجل الدولة الذى أستطاع أن يهيئ المناخ العربى و الافريقى و الدولى للوقوف مع مصر فى حربها المشروعة و الرجل الذى قام بزيارات لافريقيا و الوطن العربى للتنسيق و التشاور و فتح و تدعيم قنوات التواصل مع كل التيارات و الاتجاهات حتى التى كانت مقطوعة فى عهد ناصر و دعم و تفعيل و إستمرارية العلاقات التى فتحها ناصر لم يكن السادات فقط القائد العسكرى الأعلى الذى وضع لجيشه و هو يقوده رؤية إستراتيجية عسكرية فذة قائمة على أن يقوم الجيش بعمل عسكرى و فقا لقدرات قوته التسليحية و البشرية و إمكانيتها لإكتساب مساحة من الأرض على طول خطوط المواجهة و على أساس ذلك تم وضع خطة الحرب المعدلة و سعى فى كل اتجاه لتجهيزه تسليحيا ووضع الرجال المناسبين من القادة العظام ليكونوا جميعا شركاء فى وضع خطة الحرب المعدلة و يكونوا الجميع شركاء فى صنع الملحمة و قد أستطاع كقائد أن يقودهم جميعا فى تناسق و تفاهم و هيىْ لهم التفرغ التام للعمل العسكرى
لم يكن السادات كل هذا أو ذاك فقط و لكن السادات كان قبل كل ذلك القائد العظيم الذى قاد أمته إلى النصر عندما قاد امته إلى ذاتها المؤمنة بالله و الأخذ بأسبابه فكان و بحق قائد قصة عبور الأمة للمستحيل تلك هى الحقيقة
قال تعالى ” ولا تلبسوا الحق بالباطل و تكتموا الحق و أنتم تعلمون ” صدق الله العظيم

تعليقات الفيسبوك







للإعلان

د. أحمد محمد جنيدي

بكالوريس الطب والجراحة مع مرتبة الشرف

دراسات عليا ماجستير البطن والقلب جامعة الاسكندرية

العيادة : دسوق شارع المركز أمام صيدلية الحكمة

العيادة معدة بأحدث الأجهزة للفحص

تليفون العيادة : 01021841904

تليفون منزل : 0472568774

موبايل : 01117791763

للمشاركة في مشروع التكافل الطبي بأشراف الموقع 4 حالات كشف شهري مجانا بخطاب معتمد من إدارة العلاقات الإنسانية بالموقع

%d مدونون معجبون بهذه: